الشيخ محمد رشيد رضا

72

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قال الأستاذ الامام بعد تفسير اتخاذ الأنداد ومحبتهم على نحو ما تقدم وبيان أن المراد بالمحبة ما يجده المحب في نفسه من الأنس بالمحبوب والثقة به والاعتماد عليه واللجأ اليه على اختلاف أطوار الانسان في وجدانه واعتقاده : إننا قد اشترطنا في ابتداء قراءة التفسير أن نتكلم عن معنى القرآن من حيث هو دين جاء مكملا للأرواح وسائقا لها إلى سعادتها في طورها الدنيوي وطورها الأخروي . ولا يتم لنا هذا إلا بالاعتبار وهو أن ننظر في الحسن الذي يمدحه اللّه تعالى ويأمر به ونرجع إلى أنفسنا لنرى هل نحن متصفون به ؟ وننظر في القبيح الذي يذمه وينهى عنه كذلك ، ثم نجتهد في تزكية أنفسنا من القبيح وتحليتها بالحسن . وههنا يجب علينا أن نبحث وننظر هل اتخذ المسلمون أندادا كما اتخذ الذين من قبلهم أندادا أم لا ؟ فان هذا أهم ما يبحث فيه قارىء القرآن . ثم قال ما مثاله اشتبه على بعض الباحثين السبب في سقوط المسلمين في الجهل العميم - إلا أفرادا في بعض شعوبهم لا يكاد يظهر لهم أثر - وبحثوا في تاريخ الاسلام وما حدث فيه فكان له الأثر العظيم في الانقلاب ، وكان من أهم المسائل التي عرضت لهم في ذلك مسألة التصوف ، وظنوا أن التصوف من أعظم الأسباب لسقوط المسلمين في الجهل بدينهم وبعدهم عن التوحيد الذي هو أساس عقائدهم . وليس الامر عندنا كما ظنوا ، وليس من غرضنا هنا ذكر تاريخه وبيان أحكامه وطرقه ، وإنما نذكر الغرض منه بالاجمال ، وما كان له بعد ذلك من الآثار ظهر التصوف في القرون الأولى للاسلام فكان له شأن كبير وكان الغرض منه في أول الأمر تهذيب الأخلاق وترويض النفس بأعمال الدين ، وجذبها اليه وجعله وجدانا لها ، وتعريفها بأسراره وحكمه بالتدريج . ابتلي الصوفية في أول أمرهم بالفقهاء الذين جمدوا على ظواهر الاحكام المتعلقة بالجوارح والتعامل ، فكان هؤلاء ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين ويرمونهم بالكفر ، وكانت الدولة والسلطة للفقهاء لحاجة الامراء والسلاطين إليهم ، فاضطر الصوفية إلى إخفاء أمرهم ، ووضع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم ، وعدم قبول أحد معهم إلا بشروط واختبار طويل ، فقالوا لا بد فيمن يكون منا أن يكون أولا طالبا فمريدا فسالكا ،